خلفيات إغلاق قناة بلقيس والمؤسسة التابعة لتوكل كرمان في تركيا

أثار إعلان قناة بلقيس الفضائية توقّف بثها التلفزيوني من إسطنبول الكثير من التساؤلات في الأوساط اليمنية، خصوصاً أن القرار جاء بعد عشر سنوات من العمل الإعلامي المتواصل في تغطية الشأن اليمني. ورغم أنّ البيان الرسمي نسب الإيقاف إلى أسباب قاهرة وخارجة عن الإرادة، إلا أن المعطيات المحيطة بالملف تكشف أن الخطوة لم تكن مفاجئة تماماً، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية ومهنية امتدت لسنوات.
يعكس السياق العام في تركيا خلال الأعوام الأخيرة ضغوطاً متزايدة على المؤسسات الإعلامية الأجنبية، خصوصاً تلك ذات الخطاب السياسي الحاد. ومع كون توكل كرمان شخصية مثيرة للجدل في ملفات إقليمية عديدة، باتت مؤسساتها الإعلامية جزءاً من حساسية سياسية متنامية، حيث تسعى أنقرة إلى موازنة علاقاتها الخارجية وتجنّب التوترات التي قد تسبّبها منصات إعلامية ذات ارتباطات سياسية صاخبة. وقد ترافق ذلك مع شكاوى وتحركات قانونية ضد القناة ومالكها من أطراف إقليمية مختلفة، ما وضع عبئاً إضافياً على بيئة عملها في بلد الاستضافة.
ويُضاف إلى ذلك العامل المالي، إذ يواجه الإعلام غير الممول من دول أو أحزاب صعوبات كبيرة في الاستمرار، خصوصاً في مدن ترتفع فيها تكاليف التشغيل كإسطنبول. وتشير معلومات من داخل الوسط الإعلامي إلى أن القناة عانت خلال السنوات الأخيرة من تراجع القدرة على تأمين تمويل يغطي إنتاج المحتوى والبث الفضائي، ما جعل المنصات الرقمية خياراً أقل تكلفة وأكثر واقعية.
أما في اليمن، فقد واجهت القناة منذ سنوات الحرب سلسلة من القيود والانتهاكات التي شملت مصادرة مقارها، ومنع طواقمها من العمل في مناطق عدة، إضافة إلى تهديدات طاولت مراسليها. هذه الظروف أدت إلى تقلص حضورها الميداني وخسارتها أهم رافعة للعمل الإعلامي، وهي القدرة على الوصول المباشر إلى مصادر الخبر، ما أثّر تدريجياً على تأثيرها وتنافسيتها.
ومع تغيّر ذائقة الجمهور اليمني وتحوّله المكثف نحو المحتوى الرقمي، تراجع التأثير المباشر للقنوات الفضائية ذات الخطاب السياسي، ووجدت بلقيس نفسها في بيئة إعلامية تتطلب تحولات أكبر مما تسمح به إمكانياتها، خاصة في ظل منافسة مؤسسات ممولة من قوى سياسية أكبر.
توقف بلقيس إذاً ليس حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات معقدة تتداخل فيها الضغوط السياسية والاقتصادية، والتحديات المهنية، وتغيرات الجمهور، إضافة إلى واقع يمني مرتبك يعقّد عمل أي مؤسسة إعلامية مستقلة. ومع أن القناة أكدت استمرار رسالتها عبر المنصات الرقمية، إلا أن خروجها من البث الفضائي يترك فراغاً في مشهد إعلامي يفتقر أصلاً للتعدد والتوازن، وتغيب عنه الأصوات المستقلة لصالح مؤسسات مرتبطة بمراكز نفوذ مختلفة.
وتبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل المؤسسات الإعلامية اليمنية في الخارج، وقدرتها على الصمود في ظل بيئات سياسية متقلّبة، وتمويل هش، وصراع طويل يعيد تشكيل الخارطة الإعلامية باستمرار.

