إيران بعد فشل المفاوضات وغياب خامنئي… لحظة انتقال أم إعادة تدوير للنظام

انتهت جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف إلى طريق مسدود، لا بسبب بند تقني حول نسب التخصيب، بل لأن الثقة بين طهران وواشنطن وصلت إلى قاعها. كل طرف دخل القاعة وهو يفكر في اليوم التالي للفشل أكثر مما يفكر في صيغة اتفاق. إيران أرادت رفعًا واسعًا وسريعًا للعقوبات، والولايات المتحدة أرادت قيودًا طويلة الأمد وضمانات صلبة. النتيجة كانت انسحابًا هادئًا نحو التصعيد البارد.
في قلب هذا الانسداد، جاء رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي بحرب إيرانية إسرائيلية ليحوّل التعثر إلى لحظة تاريخية. خامنئي لم يكن مجرد رجل دين في قمة هرم السلطة، بل كان مركز التوازن بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والاقتصاد المرتبط بهما. بغيابه، لا يسقط النظام تلقائيًا، لكنه يفقد نقطة ارتكازه الأهم.
المرحلة المقبلة لن تُحسم بالشعارات، بل بصراع هادئ داخل النخبة. مجلس الخبراء سيختار خليفة، لكن القرار الفعلي سيتشكل من توافقات أمنية وسياسية عميقة. السؤال الحقيقي ليس من يجلس على الكرسي، بل ما إذا كان الكرسي نفسه سيحتفظ بسلطته المطلقة كما كانت. فإيران اليوم ليست إيران الثمانينيات، والمجتمع الذي شهد احتجاجات نسائية وشبابية واسعة لم يعد يقبل بسهولة بالانغلاق الكامل ولا بخمنائي اخر
اقتصاديًا، الضغوط خانقة. التضخم يلتهم الطبقة الوسطى، العملة فقدت الكثير من قيمتها، والاستثمارات الأجنبية شبه مجمدة فأي قيادة جديدة ستواجه معادلة صعبة تثبيت الداخل دون تقديم تنازلات تُفسَّر ضعفًا، أو فتح نافذة تفاوض جديدة تنقذ الاقتصاد لكنها تُغضب التيار المحافظ. فشل المفاوضات قد يكون رسالة قوة، لكنه أيضًا يعمّق العزلة.
إقليميًا، الجميع يترقب. نفوذ إيران في اليمن والعراق وسوريا ولبنان كان مرتبطًا برؤية استراتيجية صاغها خامنئي بعناية. القيادة القادمة إما ستُعيد إنتاج النهج ذاته لتأكيد الاستمرارية، أو ستختار براغماتية أقل صخبًا لتخفيف الضغط الدولي. لا أحد في المنطقة يتمنى فراغًا طويلًا في طهران، لأن الفراغ هناك لا يبقى داخليًا.
هل نحن أمام حقبة جديدة؟ ربما. لكن التاريخ الإيراني علّمنا أن النظام يجيد إعادة ترتيب نفسه من الداخل دون تغيير جوهره. الجديد لن يكون في الأسماء فقط، بل في قدرة السلطة على قراءة تحولات مجتمعها. إن عجزت عن ذلك، فإن لحظة ما بعد خامنئي لن تكون انتقالًا سلسًا، بل بداية تآكل بطيء.
المشهد الآن ليس سقوطًا مدويًا ولا ميلادًا واضحًا بل مفترق طرق. إيران تقف بين خيار الاستمرار بذات الصلابة التي أنهكت اقتصادها، أو إعادة تعريف علاقتها بالعالم. أما المفاوضات، فستعود يومًا ما، لكن بشروط تفرضها موازين القوة الجديدة داخل طهران نفسها.


